السيد محسن الأمين

240

أعيان الشيعة ( الملاحق )

واما تمويهه بان خلاف الرواية السكوت والساكت آمن فيرده ان التقية بالرواية تكون عند السؤال ومعه قد لا يمكن السكوت وقد يكون السؤال من نوع التجسس وهذا واضح لكل أحد ولكن عناد هذا الرجل يدعوه إلى التمحل والتعسف ولو أنصف قليلا لعلم ان من يكون مثل أئمة أهل البيت في اشتهارهم بالعلم والفضل عند الخاص والعام لا يمكنه السكوت في كل مقام ولا يتيسر له ولا يقبل منه . ( الرابع ) تشدد الصادقين في امر التقية نقل ما روي عنهما فيها في معرض النقد والاستنكار . وإذا نظرنا إلى ما جرى على أئمة أهل البيت الطاهر واتباعهم وسائر أفراد البيت العلوي في الدولتين الأموية والعباسية بل وأكثر الدول الإسلامية من سلاطين الجور الحاملين لقب امارة المؤمنين وأعوانهم ومن عاصرهم أو تأخر عنهم مما شاع وذاع وتواترت به الاخبار وتكفلت بنقله كتب الآثار من الظلم والاضطهاد الباعث لأشد الخوف بالإلقاء في السجون والقتل بالسم والسيف والتشريد عن الأوطان وبناء الحيطان عليهم احياء ودفنهم احياء ومنع الحقوق والتخليد في المطامير وإيقاع كل مكروه بهم مما هو معلوم معروف . وقد كان العلم أو الظن أو التهمة بان الرجل من اتباع أهل البيت كافيا في إيصال أنواع الأذى والضرر اليه بالقتل فما دونه . علمنا أن الباقر والصادق ع مصيبان كل الإصابة في تشديدهما الأمر بالتقية في دولة الباطل ووصفهما تاركها بأنه لم يرض بقضاء الله وخالف امر الله وضيع المصلحة التي اختارها الله لعباده ، وفي قولهما التقية ديني ودين آبائي ولا دين لمن لا تقية له وان التقية كانت واجبة عليهم بكل أنواعها وانهم كانوا معذورين فيها وان تركها لو تركوها كان مخلا بديانتهم وعصمتهم وحكمتهم وانه لولاها لما بقي لهم ولا لشيعتهم واتباعهم اثر وكانت المفسدة أعظم وأضر . قال القاضي ابن أبي جرادة الحلبي في شرح قصيدة أبي فراس الميمية : لما عزم المنصور على الحج في العام الذي توفي فيه وهو عام 158 دعا ريطة ابنة أخيه السفاح وهي زوجة ابنه محمد وأعطاها مفاتيح واحلفها بأوكد الايمان ان لا تفتح بها خزائن عرفها إياها ولا تطلع عليها أحدا ولا ابنه المهدي حتى يصح عندهما موته فيجتمعان وليس معهما ثالث على فتحها فلما بلغ ابنه موته وولي الخلافة فتح تلك الأبواب ومعه ريطة فإذا أزج عظيم فيه قتلى الطالبيين وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم منهم المشايخ والشباب والأطفال فلما رأى ذلك المهدي ارتاع وامر فحفرت لهم حفيرة ودفنوا فيها اه . وما جرى عليهم في عهد الملك العضوض والعصرين الأموي والعباسي المشئومين كله سلسلة مظالم قادحة وحلقات فظائع مفجعة ، وشي إلى الرشيد بان علي بن يقطين أحد وزرائه شيعي فأمر بالتجسس عليه في عبادته فأمره الكاظم بالتقية فأخبر الرشيد بعبادته فسلم وعاقب الواشي واستمر ذلك في اعصار كثيرة وبقي شرره يتطاير إلى اليوم ومع ذلك يلام اتباع أهل البيت ويندد بهم وينسبون إلى النفاق والحيلة إذا اتقوا دفعا للضرر وبعدا عن الخطر أفيقع ذلك ممن عنده ذرة من انصاف وحسبك ان يجيء موسى جار الله بعد ألف ومئات من السنين من أقاصي تركستان وآخر ما عمر الله إلى هذه البلاد في هذا الزمان الذي لم يبق فيه للإسلام دولة ولا صولة وقد ملكت عليهم بلادهم وأصبحوا غرباء في أوطانهم وبدلت شرائع دينهم يضرم نار الخلاف ويهدم بنيان الوفاق بكلماته هذه التي يقطر السم والشر من جوانبها وينتقد أئمة أهل البيت واتباعهم بمر الانتقاد بغير حق ويسيء الأدب في حق أئمة 240 أهل البيت الطاهر وان أراد ستر ذلك بان ما أسند إليهم موضوع . والتقية من دين الله في كل ملة كما قال الإمام الصادق فقد كان مؤمن آل فرعون يكتم ايمانه وكان أهل الكهف يتقون وما هربوا ودخلوا الكهف الا خوفا وتقية ولما أفاقوا بعد ثلاثمائة وتسع سنين قالوا ( فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يقتلوكم [ يَرْجُمُوكُمْ ] أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ) الآية فاوصوه بالاستخفاء والتقية خوفا من القتل أو الفتنة عن الدين ، قال الرازي في تفسيره عن ابن عباس ( فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً ) يريد ما حل من الذبائح لان عامة أهل بلدهم كانوا وفيهم قوم يخفون ايمانهم اه . فهل كانوا يخفونه الا تقية فبان بذلك صدق قول الإمام الصادق : التقية من دين الله في كل ملة في الأقوال والأفعال والسكوت عن الحق حفظا للنفس والمال وإبقاء للدين ولولا التقية لبطل دين الله وانقرض أهله . وقوله : التقية على ما عليه الشيعة غش في الدين هو عين الغش في الدين فقد بان ان التقية على ما عليه الشيعة هي عين ما اعترف به في كلامه وعين ما نقله عن السرخسي وهي عين ما امر الله به في كتابه وعلى لسان نبيه وأوصيائه وقضى به العقل ولا نختلف عما يفعله هو وأهل نحلته وجميع الناس عند خوفهم شيئا وهي عين النصح والنصيحة . وتركها غش في الدين لأنه إيقاع للنفس في الضرر وفي التهلكة . والامام لا يسلك الا طريق النصح ولذلك امر شيعته واتباعه بالتقية ليحفظوا نفوسهم من القتل والأذى وأموالهم من السلب والنهب واعراضهم من الانتهاك ولو أمرهم بترك التقية لكان قد غشهم ولم يكن أحد من الأئمة يسلك طريق الغش ولكن هذا الرجل يأبى الا المراء والعناد وسلوك طريق الغش . وكل يعلم أن من أظهر بلسانه ما لم يعتقده بقلبه تقية وحفظا لدمه وماله وعرضه مأجور مثاب ثواب الصابرين داخل في قوله تعالى ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) مشارك لعمار الذي رخصه الرسول ( ص ) في إظهار كلمة الكفر للتقية فجعل هذا الرجل ذلك كذبا ونفاقا هو من الشقاق والنفاق ومرض القلب . ويزعم أن الشيعة تجيزه لغرض عدائي - وكذب - لا تجيزه الا حفظا للنفس أو المال أو العرض كما اجازه الرسول ( ص ) في أفظع الأمور تقية ولكن هذه المماحكات منه ما هي الا لغرض عدائي . وإذا كان لا يظن أن الأئمة كانوا يعلمون الشيعة التقية التي يسميها تقية الخداع في الاخبار والنفاق في الأحكام جهلا منه أو خداعا ونفاقا فنحن نعلم ولا نظن أنهم كانوا يعلمونهم ما يفعله كل عاقل وذي دين وما امر الله به في كتابه وما فعله عمار فيفعلونه مكرهين مرغمين صابرين على مضضه وبلائه كما صبر عمار مكرها مرغما وحاشاهم من الخداع والنفاق ومن رماهم بذلك هو أحق وأولى به منهم وقد اتضح مما مر وضوح الشمس الضاحية ان نسبته إلى الشيعة الاتقاء في طفائف الأمور والأعمال النفاقية بوضع الاخبار على وجه التقية والمجاهرة باسوإ الكبائر ( إلخ ) نسبة كاذبة باطلة وعمل من الأعمال الشقاقية النفاقية ومجاهرة باسوإ الكبائر . فالشيعة لا تأخذ الأحكام جزافا ولا تتبع الا ما رسمه لها الدليل في امر التقية سواء في ذلك طفائف الأمور وعظامها وان كلامه هذا روحه النفاق والشقاق لله ولرسوله وثمرته كفر قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا سمع قول الله تعالى إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا وعصاه وعاب من أطاعه ونحن سمعناه وأطعناه فأي الفريقين أحق ان يدخل تحت هذه الآية . واي شيء أعظم في تقرير التقية أدبا دينيا من القرآن . وقلب كل